Untitled Document
منتديات آيـــــــــــــــــــــــــــة
Loading

العودة   منتديات آيـــــــــــــــــــــــــــة > المنتديات الأدبية والثقافية > ركن القصص والروايات الأدبية

ركن القصص والروايات الأدبية دع العنان لقلمك وأبهرنا بما يدور بخيالك من نسج خيالك المبدع

أخر المواضيع

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 17-03-2006, 12:30 PM
 
أميرة الليل
زائر
 

افتراضي شاعر لا يتغزل إلا في زوجته (حوار، ونصوص، ودراسات

انشر الموضوع
مع الشاعر بدر بدير
................................

شاعر لا يتغزل إلا في زوجته (حوار)
----------------------------------------------------

حوار مع الشاعر المصري بدر بدير:
حاوره: د. حسين علي محمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكتفي بسعادة قراءة قصيدتي على بعض أصدقائي
تأثّرت في بداياتي بالشعر العربي القديم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ولد الشاعر بدر بدير في محافظة الشرقية بمصر عام 1934م، وتخرّج من قسم اللغة العربية بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة عام 1958م.
ورغم أنه يكتب الشعر من أواسط الخمسينيّات فإنه لم ينشر ديوانه الأول "لن يجف البحر" إلا في عام 1993م، ثم انتظر عدة أعوام ليُصدر ديوانه الثاني "ألوان من الحب" عام 1999م. كما أصدر في العام نفسه قصة نثرية للأطفال بعنوان "الأصدقاء الثلاثة. ومازال لديه عدة أعمال مخطوطة، تضم: ديواناً، ومجموعة قصصية، وكتابات في النقد التطبيقي، ومجموعة مسرحيات قصيرة للأطفال، وجهت له الأسئلة التالية في صيف 1998م، فلم يجب عنها إلا في أغسطس 1999م:
*ما المؤثرات التي أثرت في تكوينك الأدبي؟
-التكوين الأدبي لأي أديب شريحة طولية إن صح هذا التعبير ـ من التكوين العام لهذا الأديب، وأقصد بالتكوين العام التكوين الوراثي والعائلي والتعليمي والثقافي والجو العام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي … إلخ، فكل هذه مؤثرات فاعلة في تكوين الإنسان عامة، وفي تكوين الأديب على وجه الخصوص، ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة أن يفلت من أحد هذه العوامل تأثراً وتأثيراً.
فإذا كان لكل أديب بصمة تميزه عن غيره من الأدباء، فلا شك أن بصمات كثيرة لعوامل متعددة موجودة على عقله ووجدانه، وحتى على تكوينه المادي.
فأنا أنتمي إلى أسرة متوسطة، تعتز بكونها عربية الأصل، فكلمة "البدوي" هي اللقب الذي التصق بهذه العائلة الكبيرة التي كانت أسرتي فرعاً منها، وهو لقب يُشير في المجتمع المصري الزراعي الريفي إلى أن أصحابه قد وفدوا من الصحراء العربية في وقت ليس بعيداً جدا، وقد رأيت الوالد والأعمام يعتزون بهذا اللقب فاعتززت به، وأذكر أن بعض اللحظات الجميلة التي مررت بها في طفولتي كانت تلك التي أستمع فيها إلى الأب وهو ينشد بعض أبيات شعرية في الحكمة أو في وصف الحرب من شعر أحد المعاصرين أو القدماء. ولا شك أن أجمل تلك اللحظات وأكثرها تأثيراً في نفسي تلك اللحظة التي أنشدتُ فيها على مسامع أدبي وبحضور بعض أصدقائه قصيدة من نظمي أمدحه فيها بالكرم والحكمة، وبرغم أن القصيدة كانت أقرب إلى تقليد شعر المدح العباسي، وكنتُ طالباً ببداية المرحلة الثانوية، برغم ذلك فقد كان أثرها عظيماً في نفس الوالد لدرجة أنه أوصاني أن أنشدها في السرادق الذي سيُقام لتقبل العزاء فيه يوم موته، ذلك اليوم الذي جاء بعد عدة سنوات صرتُ فيها أكثر نضجاً، بحيث رثيته بقصيدة أخرى ألقيتها في سرادق العزاء، وكانت أكثر صدقاً وإتقاناً من الناحية الفنية بحيث استدرت دموعاً كثيرة من عيون الحضور الذين كانوا على صلة بالوالد والولد.
كما كانت هناك لحظات مررت بها تبدو عادية وعابرة، إلا أنها كانت تزرع في أعماقي شيئاً جميلاً عرفتُ فيما بعد أنه القدرة على إدراك الإيقاع الموسيقي الفطري، الذي هو أساس الملكة الشعرية عند الشعراء والموسيقية عند الموسيقيين. تلك اللحظات البعيدة كانت هي اللحظات التي أجلس فيها قريباً من الوالدة وهي تُدلِّلُ أحد أبنائها بكلام منظوم وموقع، وهي تُرقصه بين ذراعيْها رافعةً وخافضةً إيّاه وهو يضحك بصوت سعيد، أدركت فيما بعد أن هذه الكلمات الموقعة كانت بمثابة البذور الأولى التي أنبتت في وجداني الإحساس بالإيقاع وموسيقى الشعر في شكل بدائي فطري.
وإني لأذكر حادثة غريبة كنت بطلها في مرحلة الطفولة الأولى، ربما في سن التاسعة أو العاشرة لا أنساها رغم مرور العقود الكثيرة، ورغم أن ذاكرتي لا تتميز بالقوة، ذلك أن أحد الأولاد من رفاق هذه المرحلة من الطفولة قد أساء إليَّ بشكل لا أذكره بدقة الآن، وكانت نتيجة ذلك أني كتبت قصيدة هجاء أسخر منه فيها، بعض كلماتها فصيحة، وبعضها عامية، وبعض عباراتها موزونة، وبعضها يكتفي بالسجع، وكان لها تأثيرها في نفس والد صديقي المهجوّ، فشكاني إلى والدي الذي طلب مني أن أُسمعه كلماتي، ولم أستطع أن أعصي له أمراً لشدة حبي وتعلقي به. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما رأيت على وجه أبي سروراً كبيراً، وإعجاباً بما في كلماتي من إيقاع موسيقي، كان الوالد بفطرته قادراً على إدراكه، بخلفيته الثقافية التي كوّنها حفظ القرآن الكريم، وبعض الأشعار الدينية، وبعض القصائد القديمة.
وإني لأذكر أيضاً ـ بل أتصور ـ منظرنا نحن أطفال الكتاب الذي نتعلّم فيه القراءة والكتابة على ألواح من الصفيح اللامع، أو من الاردواز الأسود، ونحفظ فيه قصار السور من القرآن الكريم ـ أذكر منظرنا نحن الصغار في هذه السن المبكرة من الطفولة، ونحن نطوف في شوارع القرية نرتل بعض القصائد الدينية في مدح الرسول 61554; احتفالاً بمقدمه، و"سيدنا" في مقدمة الموقف يشترك معنا في الإنشاد المُنغَّم، حيث نستمع أحياناً لبعض الزغاريد من النساء اللاتي لهم أولاد يشتركون في مواكب الإنشاد.
هذه خبرات سارة ـ كما يقول علماء النفس التربويون ـ من شأنها أن تترك أثراً طيباً في النفس، ولو أردت التعبير عن ذلك تعبيراً علميا لقلت إن الذي حدث إنما هو ارتباط شرطي بين هذه العبارات المُوقعة المنغومة وبين السرور النفسي الذي صاحبها، فتكوّنت العادة التي صارت هواية، أقصد عادة إنشاد وحفظ الكلام المنظوم، التي صارت هواية نمت مع السنين حتى صارت بالعلم والتمرس والمعايشة رغبة ملحة في إنشاء مثل هذا التعبير المنغوم الموقع المسمى شعراً؛ إذن كانت أهازيج الأم التي تُرقص بها صغارها، وأناشيد الكتاب الدينية، وأناشيد المدرسة الإلزامية، وما صاحب ذلك من أحاسيس السرور والغبطة لدى الطفل الذي كان يخطو عبر سنين العقد الأول من عمره، كان ذلك بذور الشاعرية التي بُذِرت في قلبه، ونمت بعد ذلك مع الزمن، فجعلته هاوياً، بل مدمناً لسماع الشعر وكتابته فيما بعد.
*ما أول كتاب وقع في يدك؟ وكيف أثَّر فيك؟
-إذا اعتبرنا أناشيد ومحفوظات المدرسة الإلزامية ـ والتي كانت قبل المرحلة الابتدائية ـ أول مادة شعرية مكتوبة ومسموعة تطرق أذني وأسعد بترديدها ثم بقراءتها، فقد صادفني كتاب غريب كان له أثر كبير في تكويني الإيقاعي .. إنه ديوان "المعلقات السبع".
كنت وقتها ـ على ما أذكر في منتصف المرحلة الإلزامية، ويُحَرَّر لوالد الطفل الذي يتغيّب عن المدرسة فيها محضر يدفع بموجبه غرامة مالية، لأنها كانت مرحلة إجبارية، ثم مرحلتا التعليم الابتدائية والثانوية، والتعليم فيهما على نفقة ولي الأمر، ثم تغيّر ذلك، وأصبحت المرحلتان على نفقة الدولة، ثم أصبحت المرحلة الجامعية هي الأخرى مجانية فيما بعد.
أي كنتُ في سن الثامنة أو التاسعة عندما وقع ديوان "المعلقات السبع" في يدي، وكذلك كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" للأبشيهي.
وإنه لشيء طريف أن يحرص طفل في التاسعة ـ أو حتى في العاشرة ـ من عمره على قراءة ـ بل إنشاد ـ قصائد ديوان "المعلقات السبع" الجاهلية. والحق أقول: إنني عندها لم أكن أفهم شيئاً مما أقرأ لغرابة الألفاظ والمعاني، ولكني كنت أستمتع كثيراً بترديد أبيات المعلقات بصوت جهوري، حيث كنت أتصور المعاني والمناظر على ضوء الألفاظ، ومدى ما بها من خشونة أو نعومة، أي أنني كنت وقتها أصنع لنفسي الجو والمعنى الذي أتخيّله من أنغام الموسيقا الشعرية.
ولما كبرت ودرست هذه القصائد في المرحلتين الثانوية والجامعية، اكتشفت أن تصوري للمعاني لم يكن بعيداً جدا عن المعاني الموجودة فعلاً في هذه القصائد، الأمر الذي يُشير إلى عظمة اللغة العربية التي كان من الحكمة أن يختارها الله لتكون لغة لآخر رسالة منه إلى الأرض.
ثم كانت المادة الأدبية الرائعة التي تضمنها كتاب "المستطرف في كل فن مستظرف"، سيما الأشعار. كانت هذه المادة وهذه الأشعار التي حفظت بعضها لبنة في التكوين النفسي الشعري لهذا الفتى الذي يدفعه الفضول الذي لا يُقاوم للتجوُّل عبر هذه الرياض الأدبية والشعرية، يعبُّ منها، ويتأثر بها من حيث المعاني والألفاظ والأسلوب.
وأظن أن قصيدتي التي كتبتها في مدح ذلك الأب المتفتح في نهاية المرحلة الثانوية، والتي مطلعها:
الشعرُ يسمُو للمقامِ الأعظمِ
يمْضي إلى ناديكَ فوقَ الأنْجُمِ
والتي جاءت في ديواني الأول "لن يجف البحر"، أظن هذه القصيدة انعكاساً صادقاً لتأثري بأسلوب هذه الأشعار القديمة التي لم أكن قد استطعت الإفلات من تأثيرها في هذه المرحلة من العمر.
وإنه لمن حسن حظي أني تأثّرت في مرحلة البدء هذه بالشعر العربي القديم، سواء أكان جاهليا أم إسلاميا، أو من شعر العصور التالية، قبل مرحلة الشعر الحديث والشعر المعاصر، حيث ساعد ذلك على وجود قدرة انتقائية لما يمكن أن يُكتب بعيداً عن تيارات الغموض والضبابية التي تُحاول أن تؤثِّر في حركة الشعر العربي المعاصر.
*التحقت بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة ـ وهو القسم نفسه الذي تخرّج فيه طه حسين وشوقي ضيف ويوسف خليف ـ فهل درست على هؤلاء الأعلام؟ وما ذكرياتك عن الدراسة في هذا القسم؟
-كان الهامش الذي يختار فيه الطالب نوع الدراسة التي يُريدها في ذلك الوقت هامشاً كبيراً، لكني فضّلت الدراسة في هذا القسم الذي اعتقدت أن الدراسة فيه تُشبع حاجةً في نفسي.
كان ذلك في سنة 1954م، وأذكر أن الدفعة التي التحقت معي بهذا القسم كانت أكبر من سابقاتها، حيث زاد عدد الطلاب عن مائتي طالب برز بعضهم في مجالات الأدب والصحافة، وكان الأب الروحي للدفعة هو الأستاذ العظيم الدكتور شوقي ضيف، الذي كان حريصاً على مصلحة طلابه، مرتبطاً بهم، وكان ـ أطال الله عمره ـ يذوب رقةَ ودماثةً وهدوءاً، عالماً أديباً، ومعلماً مثاليا، يتسع صدره لأبنائه طلاب القسم وطلاب الدراسات العليا، راعياً لأصحاب المواهب منهم.
وكان الدكتور يوسف خليف ـ رحمه الله ـ شاباً في مقتبل حياته العملية، وأذكر أن طلابه الذين حضورا مناقشة رسالته لنيل درجة الدكتوراه حملوه بعد إعلان النتيجة على أعناقهم، هاتفين بحياته فرحةً وتعويضاً له عن الضغط النفسي الشديد الذي عاناه أثناء المناقشة، بسبب الهجوم العلمي القاسي الذي شنّه عليه الدكتور طه حسين ـ رحمه الله ـ طوال فترة المناقشة التي استمرت ساعات طويلة، وأذكر عطف وحدب وحسن توجيه المشرف على الرسالة الدكتور شوقي ضيف ـ حفظه الله ـ وعلى قدر ما كان هتاف الطلاب ليوسف خليف فرحةً به، كان ذلك الهتاف تلميحاً عن شعور بالغضب تجاه عنف هجوم الدكتور طه حسين على الطالب ـ آنذاك ـ يوسف خليف، الذي كان تلاميذه يرتبطون به ارتباطاً وثيقاً، لشخصيته اللطيفة التي كانت البسمة المرحة أهم سماتها.
وأذكر أن الدكتور طه حسين كان يُحاضرنا مرة كل أربعاء،، وكان مدرج 78 يضيق على اتساعه بالحضور من طلبة الآداب وغيرهم من طلبة الكليات الأخرى المسحورين بشخصية هذا الأستاذ الشهير. وكان يُحاضرنا في الأدب الحديث، ولم تنته محاضرة من محاضراته دون أن يرفع الحاضرون عقيرتهم بالضحك لإحدى الهمزات أو القفشات التي كان يُطلقها هذا الأستاذ الأسطوري الجاد، وكثيراً ما كانت هذي "القفشات" تتعلّق بمواقف وسلوك زملاء الدكتور طه، أو أساتذته في الأزهر، وكأنه كان ينتقم منهم لما عاناه أثناء شبابه ودراسته في الأزهر .. كان الجميع يضحكون إلا هو، فوجهه وصوته جادان دائماً كأكثر ما يكون الجد صرامة.
أذكر أنه في إحدى المحاضرات، وقبل حضور الأستاذ كان المدرّج قد ضاق بالحاضرين من كل نوع من الطلاب وغيرهم، لدرجة أن حديث كل جار إلى جاره كان يُحدث ضجة وطنيناً عالياً، ودخل الأستاذ الدكتور طه حسين وسكرتيره واتخذ موقعه على المنصة، واستمر اللغط والطنين، ولم يتحدث الأستاذ حتى هدأ الجو، واستمر الأستاذ صامتاً لدقائق كثيرة "كأن الناس على رؤوسهم الطير"، ثم نطق بصوته المعروف ولكنته المشهورة قائلاً: "وأخيراً سكتم"، فانفجر الجميع ضاحكين، لكن ضجّتهم هذه المرة انتهت بعد ثوان معدودة.
وأذكر أنه انقطع عن محاضراته لنا لسوء تفاهم بينه وبين إدارة الكلية، وكوَّنَّا وفداً صغيراً بقيادة أحد الأساتذة، وزرناه في بيته بشارع الهرم لنرجوه ألاّ يحرمنا من شرف الدراسة على يديه، وأذكر منظر هذه "الفيلا" الجميلة من الخارج، والتي لم أر ما فيها من الدّاخل غير الكتب من الأرض إلى السقف. وأذكر أنه استقبلنا داخل حجرة القراءة، وأنه اعتذر لعدم دعوتنا إلى الجلوس لضيق المكان الذي لم يكن به غير المكتب ومقعدين، وأذكر أنه ظل واقفاً حتى انتهيْنا من تقديم رجائنا له بالعودة، ووعدنا خيراً، ونفّذ الوعد بعد أن شاغبه أحد زملائنا، فأضحكه وشاركه الضحك.
وكانت الدراسة في قسم اللغة العربية تعتمد كثيراً على المكتبة التي كانت تُمثِّل جانباً أساسيا من حياة الطلاب، فلم تكن المحاضرات غير فرصة لتفتيح الموضوعات، وإحالة الطلاب إلى المراجع العلمية لاستكمال عناصر الدرس والإحاطة بجوانبه المختلفة؛ فكان الجانب الأكبر من تواجدنا في الكلية على مقاعد القراءة وأمام أرفف الكتب في مكتبة الجامعة، ودار الكتب في حي باب الخلق بالقاهرة. ولم يكن الطالب مضطراً إلى شراء كتب بعينها ألّفها الأستاذ، بل كان الطالب مدفوعاً بتشجيع أساتذته إلى ارتياد المكتبة، وكلما ذكر الطالب في ورقة إجابته عن أسئلة الامتحان إجابات موسّعة ذاكراً المراجع التي استقى منها معلوماته كان تقديره أفضل، وأعتقد أن هذه الصورة المُثلى لم تعد كما كانت، وأن هذا الأسلوب في الدراسة الجامعيّة قد تغيَّر إلى حد ما.
*نريد أن تذكر لنا وظائفك التي عملت بها منذ تخرجك من الجامعة إلى إحالتك إلى التقاعد:
أدّيت الخدمة العسكرية الإجباريّة من منتصف سنة 1959م إلى نهاية سنة 1960م لمدة عام ونصف، ومن المؤكَّد أن هذه الفترة اكتسبتُ فيها من الحياة العسكرية صفات الانضباط الذي انعكس فيما بعد على حياتي الوظيفيّة، حيث دقة المواعيد، وكذلك احترام الرؤساء، واحترام النظم والقوانين، فصرت معلما منضبطاً، ورئيساً تربويا ملتًزماً ودقيقاً.
اشتغلت معلماً بالمدارس الإعدادية في بلاد النوبة القديمة قبل تهجير النوبيين ولمدة سنة، ثم معلماً بالمدارس الثانوية ودور المعلمات في الصعيد والدلتا من سنة 1962م إلى حوالي سنة 1978م، وهي مدة تخلّلتها نقلات بين مدارس محافظة الشرقية بالدلتا، وتخللتها أيضاً فترة إعارة إلى ليبيا من سنة 1970م إلى سنة 1974م، عشتُ خلالها أحلام الشعب العربي الليبي في الوحدة العربية بعد قيام ثورة الفاتح من سبتمبر، وشاركت في هذه الأحلام باعتباري معلماً ومواطناً عربيا، وغنّيت لها عدة قصائد، وشاهدت انكسار الحلم الوحدوي بعد موت الزعيم عبد الناصر، وتصدِّي أمريكا للشعب الليبي، ثم حرب الخليج التي قصمت ظهر البعير العربي فيما بعد.
كما تخلّلت هذه الفترة مدة تفرغ للعمل الوطني السياسي من سنة 1965م إلى سنة 1970م كأمين شباب لمركز ديرب نجم الإداري والذي يضم اثنين وأربعين بلداً أو قرية، وكانت هذه فترة الأحداث الكبرى، حيث كان الحلم العربي في العدل والتنمية يتشكّل على أرض الواقع وحلم شعوب العالم الثالث في الاستقلال والاحتذاء بمصر، ثم هزيمة هذا الحلم بنكسة سنة 1967م التي مزّقت وحطّمت قلوب ملايين الشباب الذين فقدوا الثقة بكل شيء والأمل في أي شيء، وبذلت مصر جهوداً جبارة للخروج من هذا الجب المظلم بإشعال حرب الاستنزاف، لكن بذرة هذه الثقة لم تنُمُ كثيراً حيث وقع الصدام بين الشعب الفلسطيني والحكم الأردني، ومات ناصر وهو يُحاول رأب الصدع بين العرب، وبدأت مرحلة جديدة بحكم لم يبق لي فيه غير الحلم الذي بدا بعيداً وهو حلم النصر الذي تأخّر إلى سنة 1973م، ولم نجن ثماره السياسية كما كان يتوقع الملايين الفرحين بالنصر، ولذلك كان انسحابي من العمل السياسي سنة 1970م بالسفر إلى ليبيا ممارساً لمهنتي التي أحبها ـ مهنة التعليم ـ وقد كان ذلك أمراً طبيعيا متوقعاً.
ولقد كانت فترة العمل السياسي التي تفرّغت لها ذات طبيعة يغلب عليها العمل الوطني، حيث كان تنظيم الشباب وحشده وراء الأهداف الوطنية في الحرية والعدل الاجتماعي والوحدة، وكان ذلك هو الهدف والرسالة في هذه الفترة، التي لم أجن فيها أي مكاسب مادية أو وظيفية، وإنما كانت متعة العيش على هذه الأمال هي المكافأة الكبرى لي ولأمثالي ممّن انشغلوا بهذا الهدف العام.
لقد دخلت إلى العمل السياسي مُجبراً، ثم تركت العمل السياسي مختاراً، عندما سئمت تقلبات السياسة، وغموض الخطط، وبُعْد الأهداف التي تميّعت وغامت في عيون الكثير من الشباب.
دخلت حقل العمل السياسي بالتعيين، وتركته باختياري، ولم يكن ذلك هروباً بعد النكسة العسكرية، ولا انهيارا نفسيا كما حدث لكثير من أمثالي، ولكني صبرت على الحزن الكبير حتى سنة 1970م، حتى استرد الكثيرون بعض الثقة بالنفس وبعض الآمال بعد نجاح خطة حرب الاستنزاف وبداية التآم الجروح الوطنية شيئاً ما.
في هذه الفترة بكيت شعراً كثيراً في ديواني الأول وديواني الثاني، مثل قصائد: لن يجف البحر، وفرحة الجلاء عن ليبيا، وفي يونية الحزين، وليلة الفاتح، ويا قارئ الأخبار، وسؤال في العيد، ورسالة إلى اليوم الكئيب، ونشيد لوطني، ومتنا مرتين، والبحث عن وجهها .. وهذا في الديوان الأول "لن يجف البحر"، ثم: هل تاه الخطو؟، والمعوذة، ويا لها من قمة، واستعطاف، ورسالة إلى حماة القدس، ومن يُصبح نعجة، وضمير عاتب .. وهي من الديوان الثاني "ألوان من الحب".
ومازال الدمع يسيل لعل شعبنا يفيق إلى أهدافه الحقيقية، ولعل حكّامنا يرون طريقهم وطريق أمتهم إلى تحقيق آمال الشعب في الحرية والعدل والتنمية.
*عملت في أول حياتك العملية مدرساً في بلاد النوبة بصعيد مصر، فهل أثَّرتْ في شاعريتك؟ وماذا أنتجتَ عن النوبة في ديوان شعرك؟
-تبدو إجابة هذا السؤال ذكريات بعيدة، والذكريات بشكل عام تظهر أمام النفس جميلة مهما كانت غير ذلك، لسبب بسيط، هو أنها جزء من عمر الإنسان، وليس أغلى على الإنسان من عمره، سيما العمر الذي مضى.
وهذه الفترة التي بدأتُ بها حياتي العملية في بداية الستينيات من القرن العشرين، والتي تلت فترة الدراسة الجامعية وما صاحبها من آمال، وفترة أداء الخدمة العسكرية وما واكبها من خبرات جديدة .. هذه الفترة الانتقالية تبدو أمام الذاكرة الآن شيئاً ملفوفاً بالخشونة والغموض معاً، خشونة العيش في منطقة صحراوية رغم اختراق النيل لصدرها، حيث تحول التلال دون استفادة أهلها من تسخيره للري والزراعة.
ولقد فوجئت عند نزولي لأول مرة من المركب النيلية إلى القرية التي سأعمل بها، ببيئة تختلف تماماً عن بيئة الدلتا التي نشأت في إحدى قراها، فالنيل العملاق الجبّار تنحدر مياه فيضانه السمراء نحو الشمال في حرية طاغية، وهو لا يدري أن السواعد القوية والنفوس الثائرة تُدبِّر له أمر القيد العتيد ـ السد العالي ـ هناك عند أسوان، لتُحكم حركته الجبارة لأول مرة منذ ملايين السنين، وتُسخِّره باقتدار لصالح الإنسان.
فوجئت بالنيل العملاق يمرُّ سريعاً بالمنطقة النوبية المصرية دون أن يترك فيها أثراً للخضرة، اللهم إلا بعض أشجار النخيل الغارقة في مياه الفيضان الذي غطّى المناطق الطينية من الشاطئين بعد بناء خزّان أسوان وتعليته. منظر غريب جدا؛ الماء مصدر الحياة، ولا حياة إلا تلك التي تدب في عروق جماعات قليلة من كبار السن والأطفال الذين تشبّثوا بالوطن الأصلي بعد رحيل عائليهم من الشباب إلى الشمال للعمل وكسب العيش، وإرسال المؤن من الدقيق والزيت والسكر والقماش إليهم على ظهور البواخر النيلية التي تتحرّك في هدوء ساحر بين بلاد النوبة السودانية والنوبة المصرية حتى أسوان.
مجتمع لا يوجد به غير الشيوخ والأطفال والنساء في قرى مبنية على طابع واحد، تمتد الواحدة منها على شاطئ النيل مسافات كبيرة، بدون عمق في الصحراء. حياة بسيطة في بيئة بسيطة، لا أثر فيها لمظاهر التحضر المادي من قطارات أو سيارات على الإطلاق، وتتراوح وسائل المواصلات فيها بين القوارب النيلية ذوات المجاديف وبين الحمير القادرة على تسلق الصخور نهاراً فقط دون الليل، حتى لا تفترسها الضباع المُغرمة بلحم الحمير.
لم يكن إرسال التليفزيون قد وصل إلى هناك، وكانت الأغنيات المسموعة هناك تتنوّع بين اللهجة السودانية والمصرية، وبعضها بأصوات المغنين النوبيين، وبلغتهم التي لا يعرفها غيرهم، والتي تختلف تماماً عن العربية، والتي قد تختلف في منطقة نوبية عنها في غيرها.
على أن أجمل السهرات كانت تلك التي تُقام احتفالاً بالأعراس، حيث يتحلّق أهل القرية حول المغنين والرّاقصين والرّاقصات على الأرض دون مقاعد أو فُرش؛ فالبيئة فطرية نظيفة.
كانت الدفوف ـ آلات الإيقاع السائدة ـ وتصفيق الأيدي تصفيقاً خاصا، تختلف مسافاته الزمنية بين دفعاته المتفق عليها، هذا التصفيق المُصاحب للرقص، والذي يشترك فيه الرّاقصون جميعاً من شبّان بحيث لا يستطيع غيرهم من غير النوبيّين أن يُقلِّدوه، وكأنه شيء فطري فيهم، بينما تتحرّك صفوف الرّاقصات اللاتي يلبسن الملابس الواسعة، ويتحلّين بكميات كثيرة من الزينات المعدنية على صدورهن، وفي آذانهن. تتحرّك الرّاقصات حركات أشبه ما تكون بحركات الديكة الرومية، فهي خطوات قصيرة وسريعة ومنتظمة خلفاً وأماماً وعلى الجانبين، وهن جميعاً سيدات بيوت غير محترفات، بينما ينشد المغنون أغنياتهم الخاصة بلغتهم، أو باللهجة المصرية أو السودانية، ويستمر السهر ساعات من الليل ولياليَ عديدة متتالية. ولقد حاولت تسجيل هذه المشاهد في شكل روائي حالت الظروف دون إتمامه.
في هذه البيئة التي تقل فيها وسائل الترفيه كان الحنين إلى الأهل على بعد ليال طويلة أمراً متوقعاً، وكانت الشكوى من البعاد عن الأحباب متنفساً وحيداً، فكانت بعض القصائد التي تضمّنها ديواني الأول "لن يجف البحر"، مثل قصيدة "تعالي"، والتي جاء فيها:
أنا كمْ أطبقْتُ جفنيَّ على طيْفِكِ
يا سوْسَـنُ( ) في ليْلِ السكونِ
وقضيْـتُ اللـيْلَ أشكو للخيالِ
الحلوِ آلامي وسُـهْدي وشجوني
ثمّ يمْضي الليلُ في صَـمْتٍ حزينِ
بيْنَ آهَـاتٍ بسمْــعي وأنـينِ
الفراقُ المُــرُّ قـدْ عذَّبَ قلْـبي
يا مُنى قلْبي "وأغْـلى منْ عيـوني"
فبكى منْ لوْعةِ الفُــرقةِ حـتى
ذابَ يا سوْسـنُ في دمْـعِ الحنـينِ
وقصيدة "طيف الحبيب"، وقصيدة "كوم أمبو" حين تُفرِّق بين الأحبة"، وقصيدة "أُمِّي".
لقد كانت فترة عملي في بلاد النوبة قصيرة، ولكنها كانت شيئاً جديداً وغير متكرر في رحلة العمر.
*للزوجة حضور طاغ في شعرك، فلم هذا الحضور؟ وهل تراه شيئاً مميزاً لك؟ وأين شعرك الذي يُصوِّر عاطفتك قبل الزواج؟
-يقول الحديث الشريف: "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصّالحة". والحياة الإنسانية قصيرة مهما امتدّت، وللإنسان أن يفنى لها أو يُفنيها. الحياة أغنية متنوعة الألحان، بحسب ما يمر بالإنسان من أفراح وأتراح؛ ونحن نُغني للحياة في حالتي السرور والحزن، وحتى في حالات التأمل والكشف والرضا والغضب، وباختصار: فإننا نغني للحياة في كل حياتها، فالإنسان حيوان مُغن، سواء أأنشأ أغنية بنفسه إن كان شاعراً مبدعاً، أم غنى من إبداع غيره، لأن مشاعر الإنسان موحدة رغم تنوّعها، وهذا دليل على وحدة الصانع الذي صنع الإنسان ، فعدّد ملامحه ملايين الملايين من المرات، ووحد شكله الكلي التكويني، فجميع الناس لهم وجوه وعيون … إلخ، لكنك قادر على تمييز كل منهم عن الآخر، وجميع الناس لهم مشاعر وانفعالات متباينة، لكنها لا تعدو أن تكون حزناً وسروراً، وغضباً ورضا، وشوقاً وقلى، وحبا وكرهاً، وكان الشعر هو التعبير الراقي عن هذه المشاعر، ولذا كانت أغراضه منذ القدم وإلى الآن تعبيراً عن مشاعر الإنسان إزاء أحداث الحياة ومواقفها؛ فهو أغنيات للحب وللفخر وللحرب وللسلام، وتعبيراً عن انبهار الإنسان بما يراه من جمال ومن عظمة في الكون والطبيعة، وما يكتشفه من علاقات ومن قيم ومن إسرار النفس البشرية.
والمرأة هي أحد أهم العناصر الباهرة في هذا الكون الرائع الجمال المليء بالأسرار الغني بالسمات، فهي نبع الحياة ومهدها وحاضنتها ومُجمِّلتُها، فلا عجب أن ينبهر الرجل بها عندما يتفتح شبابه للحياة لأول مرة، وتتفتّح عيناه وحواسه لاكتشاف الجمال لأول مرة، فيبدأ في التغريد لهذا الجمال، تعبيراً عن هذا التوق الفطري للمشاركة في صنع الحياة ورسم جانب ولو ضئيل من لوحة الجمال الخالد التي أراد لها الخالق العظيم أن تكون موجودة.
ولقد كنت بحكم إنسانيتي العامة من ناحية، وبحكم طبيعتي الذاتية الحساسة من ناحية أخرى أحد هذه العناصر المؤثرة والمتأثرة، والمشاركة في صنع هذه اللوحة العجيبة لوحة الحياة الجميلة؛ ففتحت عينيَّ لأول مرة في مقتبل الشباب على هذا العنصر الأساسي من عناصر الحياة، وهي المرأة. فانبهرت بها انبهاراً شديداً جدا في شكلين من أشكالها: شكل الأم وشكل الوليفة التي أتخيّرها وأحلم بها صالحةً لبناء العش الذي بين قشاته الناعمة تُصنع وتتشكّل الحياة.
كانت الأم هي الصانعة الحقيقية لمشاعري، وملَكتي التي بها أُدرك الإيقاع الشعري الموسيقي، كانت عابدة متبتلة تتهجّد جانباً كبيراً من الليل، وترعى زوجها وذريته نهاراً، شديدة الحدب على أولادها صغاراً وكباراً، وتُجيد قراءة القرآن الكريم، وتُواظب على الأوراد وصلوات السنن والتطوع، ومع ذلك فهي مرحة تعرف طريق البسمة السعيدة، وتحيا حياة متكاملة، تعرف حق الله وحق الأولاد، وحق الزوج وحقوق الآخرين.
ومن أغنياتها الرقيقة التي تؤدِّيها في لحظات السرور، ومن أهازيجها التي تُؤلفها بنفسها لتُدلِّل أحد صغارها تذوّقت عيِّنات من الإيقاع النغمي الذي نظم الشعراء على أساسه، ومن قلبها وسلوكها عرفت الحب الذي لا يُشبهه حب والرعاية التي لا مثيل لها. لقد كوَّنتْ أسرة سعيدة.
..........
(يتبع)
















--------------------------------------------------------------------------------

(2)
أما الوجه الثاني من المرأة فهو المرأة / الأنثى التي يحلم بها الذكر منذ بدء وعيه للحياة، وإنه لشيء عجيب أن أشعر بها في مرحلة الطفولة، أي ما قبل البلوغ. لقد كنتُ في العاشرة أو الحادية عشرة عندما خفق قلبي لأول مرة من أجل فتاة جميلة. كان خفوقا محوماً هائماً بغير هدف محدد، اللهم إلا الرغبة الشديدة في المشاهدة وفي المعاشرة البريئة، مع انبهار شديد بجمال الوجه وجمال العيون، إنه إحساس غامض بالحب والحزن، إنه انعكاس فطري غريزي غامض لإحساس بانجذاب الموجب إلى السالب مجرد انجذاب غامض الهدف في براءة ظاهرة.
ثم تطوّر هذا الإحساس في المرحلة الجامعية، فصار محدد الأهداف، يُغذّيه خيال جامح، وعاطفة جياشة. لقد كان تعبيراً عن شجن دفين، وحرمان ظالم، وحلم أزلي باللقاء، ولكن ذلك كله كان من طرف واحد، طرف الفتى الريفي الساذج المتحفظ الخجول، وعاش هذا الإحساس طول فترة الدراسة الجامعية، وكان صداه مجموعة من القصائد التي كتبتها آنذاك (وتجدها في ديواني الأول "لن يجف البحر")، مثل قصائد: "لست لي"، و"اللحن الخالد"، و"زورق الأمل"، و"البلبل المنتحر"، و"القلب المُذاب" التي قلتُ فيها:
ردّدَ الغُصنُ زفْرةَ العنْدليبِ
وشكا الطلَّ للفراشِ القريبِ
وتناجى الحـمامُ لكنّ قلبي
يسْهرُ الليلَ وحدَهُ يا حبيبي
وقصيدة "الربيع القاحل" التي عبّرتُ فيها عن خيبة أمل عنيفة وحزن قاتل لخيبة التجربة العاطفية الساذجة، والتي قلتُ في مطلعها:

يا ربيــعاً لمْ أُعَــانقْ فيه زهْرهْ
لا، ولمْ أشربْ بكأسي غيْرَ حسْرَهْ
أنا لا كنتُ ولا كنت ربيـــعاً
كيف لا تُطْفئُ في قـلْبيَ جمْــرَهْ
*
يا ربيـعي ما لعصفورِكَ ينْــدَمْ
وبقُرْبِ العشِّ قيثـــارٌ مُحطَّمْ
وبقايا منْ زهُــــورٍ ذابِلاتٍ
وغُـابٌ أسْودٌ كالليْــلِ أسْحَمْ
*
يا ربيعــــاً ملأَ القلْبَ شتاءَ يا صبـاحاً باتَ في عيْني مساءً
أنا لا كنتُ ولا كنـــتُ ربيعاً ليْتـني كنتُ وإيَّـــاك هباءَ
وقصيدة "بين اليأس والأمل"، وقصيدة "دقات القلب" .. وغيرها، وكل هذه القصائد كُتبت بين سنتي 1954-1958م، وهي سنوات الدراسة الجامعية التي مررت فيها بهذه التجربة الفاشلة، لأنها كانت من طرف واحد.
لقد كانت فترة مليئة بالمشاعر المجهضة، والأحلام التي حققتُها فقط في عالم الخيال، فإذا صحوت على الواقع المرير ارتفع الأنين في نغم شعري حزين.
لكن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، وعندما تستحكم حلقات الضيق يأتي الفرج، وهكذا عندما وصل الفراغ العاطفي إلى مداه، ولم يعد من الممكن أن تستمر الحياة على النحو، إذا بنور الأمل يبدو جميلاً في الأفق، وبدأت مشاعر الفرحة والأمل على أبواب الفجر العاطفي الجديد، وبدأت قطرات الندى تتساقط على القلب المتوتر، لتتحول نبضاته الجنائزية الحزينة ـ التي سمعنا نغماتها الشاكية في القصائد المشار إليها ـ إلى موسيقا هادئة مُنعشة، استجابة لهذا الإحساس الجديد، الإحساس بأن هناك إشباعاً لهذا التوق الفطري إلى الاندماج في الآخر، والتداخل النفسي والعاطفي بين قطبي الحياة الموجب والسالب، وبدأت القيثارة تعزف ألحان السعادة؛ سعادة التعرف، والاحتكاك بالجمال، والعرفان، والأمل. هذه الألحان التي تبدو مسموعة في قصائد كثيرة من الديوان الأول "لن يجف البحر"، والتي مطلعها:
أتْـرعي كأسي بالحُبِّ وهاتي إنني حطّمْتُ كأْسَ الذِّكْرياتِ
وتعاليْ نزرع الزَّهْرَ على الدَّرْبِ فإنَّ الشَّوْكَ أَدْمى خُطواتي
وتعـاليْ نسمع الفجْرَ أغاريدَ المنى فالصَّمْتُ أبكى أُمسياتي

فتعاليْ أقرأ الأحلامَ في عيْنيْكِ ، أحلامي ، وأدري سرَّ ذاتي
وقصيدة "طيف الحب"، وقصيدة "لا تخجلي"، والتي قلتُ فيها:
مني أنا لا تخْجـــلي ألسْـتِ يا دُنْيايَ لي ؟
لن أقطـف الورد على خدَّيْكِ، بلْ سأجْتـلي
فقطْ أُريدُ لمْسَـــهُ بشفتي وانْمُــــلي

يا مُنْيتي هذا رجَــائي ونـدائي فاقْبـــلي
فالسِّوْسَنُ اليـانعُ قـدْ يشيـخُ إنْ لــمْ يذْبلِ
ويخْتــفي البـدْرُ ورا ءَ السحْـبِ إنْ لمْ يأْفلِ
والـحــبُّ نبْعٌ رائقٌ مُعطَّــرٌ فلننْهَـــلِ
ولنرتشــف كأس المنى قبْلَ انتــهـاءِ الأجلِ
وقصيدة "رسالة مع النسيم" التي مطلعها:
يا نسيــمَ الليلِ قبِّلْ يَدَها
وانْسَكِبْ يا طُهْرُ في معْبَدِها
وقصائد "كوم امبو حين تفرِّق الأحبة"، و"قالت لي"، و"لا أُصدق" التي مطلعها:
أتـرى أعيشُ حقيقةً أمْ تلكَ أوْهامُ الخيالْ؟
أنا لا أُصـدِّقُ أنَّ لي يا أعْـيني هذا الجمالْ
هـذي المحبّةُ والحنانْ
هذا الأمانُ من الزَّمانْ
أنا لا أُصــــدِّقُ
أحقيقةً هـذي العيونُ تـرى سعادتَها بقُرْبي؟
أحقـيقةً هـذا الفؤادُ يفيــضُ تحناناً بحبي؟
أحقيـقـةً آن الأوانْ
لأذوقَ شهدَكَ يا زمانْ
أنا لا أُصــــدِّقُ
ويُمكن ملاحظة أن جل هذه القصائد قد كتبت سنة 1962م، ثم توالت السنون التي ننظرها الآن من الزاوية العاطفية الأسرية فقط، وحلّت العشرة، ورقّت الألحان المعبرة عن هذه العشرة السعيدة التي أعتبرها مثالاً للسعادة المبنية على الحب والمشاركة في الحياة على وجوهها المختلفة، وهي حياة مبنية على الحب أساساً، والإيثار إطاراً. الحب الذي يهب الإنسان كل يوم عمراً جديداً، ذلك الإحساس الذي عبّرت عنه في مطلع إحدى قصائدي قائلاً:
طالَ عُمْري فجَـاوزَ الستِّينا كلُّ يوْمٍ قدْ عِشْتُ فيهِ سنينا
لوْ تُقاسُ الأيّامُ بالحبِّ كانتْ سنَــواتي تُقـاربُ الملْيونا
هذا الإحساس بالحب للشريكة الفاضلة، والذي عبّرت عنه في بعض قصائد ديواني الأول "لن يجف البحر"، مثل قصيدة "ثلاثون عاماً"، وقصيدة "أنت" وهي آخر هذا الديوان، والتي مطلعها:
لأنتِ أمسي وغـدي واليومُ بلْ والأبَدُ
وأنـــتِ أُمٌّ وأَبُ وطِفــلةٌ وَوَلَدُ
والتي أنهيْتُها بقوْلي:
أنتِ أنا روحاً ، ورو حي منكِ لا تبْتَعِدُ
فكْرٌ ونبْضٌ واحـدٌ واللهِ لـولا الجسَدُ
وتوالت مشاهد رحلة العمر، هذه الرحلة التي كانت في معظم صفحاتها سعيدة هانئة، وتوالت الأهازيج والأغنيات التي جاءت صدىً أميناً لهذه الصفحات الأسرية، فكانت تعبيراً صادقاً للهناءة التي عاشها غردان يعشقان الحياة، ويُدركان أنها أقصر من أن يُضيعا يوماً من أيّامها في نكد وخصام، فجاءت هذه القصائد التي بلغت عشر قصائد في الديوان الثاني "ألوان من الحب" بنسبة 25% من جملة قصائد الديوان، مثل قصيدة "لا تتأخر"، والتي جاء فيها:
إن كنتِ تأخّرت كثير عني قبلَ اللقيا الأولى
وأنا
كربيعٍ لم تبسمْ فيهِ الأزهارْ
كهشيمٍ شبّتْ فيهِ ألسنةُ النّارْ
كمساءٍ طال سنيناً يحلُمُ بنهارْ
كالنهر إذا ركد الريحُ ولمْ يمرحْ فيه التيّارْ
وأتيْتِ ..
فكنتِ ربيعي .. زهْري ..
صُبحي .. نهري المرحِ الدّافقِ
عمْري .. نغمي .. عودي والأوتارْ
ولذا لنْ أتأخَّرْ
وقصيدة "وداع من أجل اللقاء".
وحتى عندما تحدث جفوة عارضة ومؤقتة، وتعلو نغمة العتاب لا يلبث القلب أن يلين والثورة تهدأ، وتعلو من جديد نغمات السعادة والحب في القصيدة نفسها، وذلك في قصيدة "هل كان الجسد؟"، والتي كان مطلعها الغاضب:
ما بيْننا بالأمسِ هلْ كانَ الجسَدْ؟
أمْ كــان بُركاناً طغى ثمَّ خَمَدْ؟
ألــقى شواظ الرغبةِ الهوجاءِ في
مخْـدعِنا عمْـــراً مديداً وهَمَدْ
ولم تستمر هذه الموجة الغاضبة غير خمسة أبيات، ثم جاء البيت السادس وما بعده ـ وإلى نهاية القصيدة ـ شدواً للحب الكائن، المنتصر على كل طارئ.
وعندما تتعرّض الشريكة الحبيبة لمرض مهاجم، وفجائي، يصرخ القلم في ذعر، متخيلاً صورة الفراق التي قد تحدث وذلك في قصيدة "لا تذبلي"، والتي منها:
بدونكِ لا الشمسُ دفْءُ
ولا الظلُّ فيْءُ
ولا باقةُ الوردِ تغمرني بالعبيرْ
ولا بسمةُ البدرِ تهنئةٌ باقترابِ الأملْ
ولا همسةُ الماءِ أغنيةَ الخصبِ في الحقلِ
تسري بغضِّ الزهورِ
فلا تذبلي
أنتِ شمسي ودفئي
وزهْري وفيئي
وأحلامُ عمْري
وقيثارُ شعري
وفي الليْلِ نجْمي
وبدرُ البدورْ
وعلى المنوالِ نفسه ـ الخائف على الشريكة الفاضلة ـ جاءت قصيدة "لا تُسرعي" أي لا تسرعي إلى العالم الآخر، والتي كان مطلعها:
أرفيقتي لا تُسْـرعي واستمتعي
يا نشوةَ الكـأْسِ الشَّهِيِّ المُتْرَعِ
يا أجملَ اللَّوْحـاتِ في عيْني ويا
لحـناً بهيجَ الـوقْعِ حلوَ المطْلَعِ
وكان آخر أبياتها:
ما أجمـلَ الـدنيا ونحنُ بها معاً
ما أروع الأخرى وأنتِ بها معي
وحتى عندما تكون القصيدة تعبيراً وطنيا كانت الشريكة مطلة من بعض أبياتها باعتبارها أرق وأجمل ما في الوطن، با باعتبارها المعنى الحقيقي للوطن كما في قصيدة "المعوذة"، والتي كان من بين أبياتها:
أحبُّ مصرَ، وملءَ العينِ أعشقُها
زهْــراً ونهْراً وللأعداءِ سجِّيلاً
أحبُّهـــا لقمةً للأهلِ جامعةً
وحقلَ قمْــحٍ يُكيَّلُ منهُ تكييلا
أُحبُّها نسْـمةَ في الصبحِ مُنعشةً
وفي المسَــاءِ إذا يغْشى مواويلا
أحبُّها في صـلاةِ الفجْـرِ ساجدةً
أُحبُّـها في صــلاةِ العيدِ تهْليلا

أُحبُّها ضحْــكةً منْ قلْبِ ظالمتي
حفيـدتي ركبتْ ظـهريْ أنا فيلا
أحبها خصْــلةً منْ شعْرِ صاحبتي
أمِّ الوليـــدِ وفسـتاناً ومنديلا
وهكذا كان وجود الشريكة الفاضلة منبثا في كل خلجة، حاضراً في أكثر المواقف، كما كان هناك حضور لمن حولي من الأصدقاء، ومن الأهل والولد.
فهذه قصيدة للوالد الراحل "يا زارع الآه"، وأخرى للأم العابدة "أمي"، وغيرها لابنتي، وخامسة وسادسة وسابعة لصديق وصديق وصديق. قهل كنتُ بدعاً في ذلك؟ وهل الشاعر غير وحدة إنسانية في المجتمع ينفعل ويفعل، يحس ويعبِّر، رغم أن الغزل بالزوجة ليس موجة سائدة لا قديماً ولا حديثاً، رغم ذلك، ورغم أن نسبة القصائد الخاصة بالزوجة والأسرة تقترب من 25%، رغم ذلك فلست بدعاً في هذا لأنني عبرت عن إحساس أحسسته وأحداث عشتها بالعمق والعرض مشاركة مع الطرف الجميل، بل لست أعتبر وجود الزوجة في قصائدي وجوداً طاغياً، وإنما أعتبره تعبيراً حييا وضئيلاً عما هو موجود في داخلي من إحساس موّار أسمح لبعضه بالظهور، وأحجب أكثره خجلاً، فلست غير رجل شرقي عربي مسلم، يستحي ممّا يستحي منه الناس، غير أن الشذى قد يفوح رغم أنف الزهرة، والجمال قد يبدو رغم الحجاب، ونور القمر قد يبدو رغم كثافة السحاب.
وإذا كان الحديث عن الزوجة في شعرنا العربي قديماً وحديثاً قد اقتصر على رثاء الشعراء لزوجاتهم حيث رفع بعضهم عقيرته باكياً، شاكياً صدمة الفراق، عاجزاً عن منع نفسه من الحديث عن شريكته في هذا الموقف الطّاغي الغلاّب، حيث يقل الحرج وتغلب الدموع، فإني أدعو الله الرحمن أن يُجنِّبني هذا الموقف لأُعْرَف في تاريخ الشعر العربي بأنِّي من روّاد الغزل بالزوجة في حدود الحشمة والحلال، ولستُ ممّن شاركوا في موكب رثائها، ولا بكلمة واحدة.
*تأخرت كثيراً حتى نشرت ديوان شعرك الأول، فكيف قابلته الحياة الأدبية؟
-يضمُّ ديواني الأول قصائد كُتبت في سنة 1953م ـ أي قبل المرحلة الجامعية ـ وقصائد كُتبت في أوائل التسعينيّات، ومعنى هذا أن هذا الديوان كان تعبيراً عن فترة طويلة تقترب من أربعين عاماً، كما أنه لا يضم عدداً كبيراً من القصائد، فهي لا تتجاوز ستا وستين قصيدة ومنظومة، ويقع الديوان في حوالي مائة وستين صفحة، قدّم له الصديق الباحث الشاعر الدكتور حسين علي محمد، بدراسة سريعة بعنوان "من هموم الذات إلى هموم الوطن".
ومعنى هذا أني لستُ شاعراً محترفاً متفرغاً للشعر، وإنما أنا رجل هاوٍ يلجأ إلى الشعر مدفوعاً بدافع لا يُقاوم، كلما جدّ حدث عام أو خاص ليفرغ مشاعره على الورق، وليشعر براحة عظيمة عندما يفرغ منها، وأكثر من ذلك فقد كنت أكتفي بسعادة قراءة قصيدتي على بعض أصدقائي الذين يُقدِّرون الشعر ويتذوّقونه، دون أن أُراسل منابر النشر الأدبي من صحف ومجلات درءاً لخطر أن تُهمِل المجلة نشر القصيدة، فأحس بآلام نفسية من أجل ذلك، آلام نفسية أقل ما تُوصف به أنها رد فعل لإهانة متعمدة أو غير متعمدة لعمل إبداعي أعتبره قطعة من نفسي التي بين جنبيّ.
لذلك اكتفيت بوجودي في الظل وبين أصدقائي سعيداً بذلك، حتى بدأ احتكاكي بالصّديق الدكتور حسين علي محمد الذي ظل لفترة طويلة، استمرّت حتى الآن يدفع بي دفعاً إلى النشر، ويُلحُّ في ذلك إلحاحاً حتى بدأت نشر شعري على استحياء، وكان جمع الجانب الأول منه في ديوان صدر سنة 1993م حدثاً سارا له ولي، ثم كان الديوان الثاني سمة 1999م شاهداً له ـ أي لهذا الصديق النادر بالمثابرة على الدفع والتحريض والوفاء لصديق، أعتبره أنا تلميذاً له، ويعتبره هو بكل تواضع الكبار أستاذاً، فهل هناك نعمة في الحياة أجمل من ذلك؟
أما كيف قابلت الحياة الأدبية ديواني الأول، فقد كانت فرحة عند أصدقائي، وبعض الأخبار في هذه الجريدة أو تلك، وكتب عنه بعمق ودفء الدكتور عبده زايد في "المسائية" السعودية، وأذيعت سهرة عنه في "البرنامج الثاني الثقافي" بإذاعة جمهورية مصر العربية، حضرها الدكتور الشاعر الباحث صابر عبد الدايم، والدكتور القاص الأديب أحمد زلط، وصديقي النادر الدكتور حسين علي محمد، وكفى الله المؤمنين القتال، فلا اهتم به النقاد، ولا تناوله أحد بتحليل خلاف ما سبق، وهكذا كان الديوان الثاني، وهكذا سيكون الديوان الثالث (الذي سيكون بعنوان "ابتسامات باكية") والذي يضم عدداً كبيراً من الرباعيّات التي جمعت فيها خبرة السنين في شكل قصصي وكاريكاتيري، قد تُثير الواحدة منها على الشفاه بسمة، محركة في الوقت نفسه في الأعماق لسعة حسرة.
ورغم هذا التجاهل المُطبِق فعزائي أني أثق في قيمة ما أكتب، وأنا سعيد بهذا الشكل من أشكال التعبير الأدبي الذي حباني به الله القادر، فشدوت معبراً عن عمق إحساسي بالمسجد وبالبيت وبالوطن

ahuv gh djy.g Ygh td .,[ji (p,hvK ,kw,wK ,]vhshj

من مواضيعي تحميل نمبر بوك لجميع انواع الهواتف الحديثة اظهر الارقام الغريبة
تحميل برنامج فيس بوك download facebook messenger 2013
تحميل لعبة من سيربح المليون للاندرويد من جوجل بلاى
تحميل فلاش بلير 2013 للثبيت على الفايرفوكس
صور نادرة للبيت الذي عاش فيه الرسول مع السيدة خديجة
أوامر الرن
حقائق ولكن غير منطقية
رد مع اقتباس
قديم 30-03-2006, 01:53 AM   rita67 غير متواجد حالياً   رقم المشاركة : [2]
rita67
مشرفة القصص العامة والهادفة
الصورة الرمزية rita67
 

rita67 is a splendid one to behold
افتراضي

سلم الله يداك أميرة


من مواضيعي صمتي
خيبة أمل
أرجو الدخول و القراءة قبل المشاركة
نصائح للدكتور ابراهيم الفقي
من الخائن
من مشرفة القصص الى جميع الاعضاء و المشرفين
الخوف
    رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:17 AM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
الآراء الواردة في المنتدى هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة رأي المنتدى ..... مزود الانترنت آيـة ../ 2011/